فخر الدين الرازي

2

تفسير الرازي

* ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * . اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : * ( ألا تقاتلون قوماً ) * ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال . ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال وذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد ، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت ؟ فأولها : قوله : * ( يعذبهم الله بأيديكم ) * وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى سمى ذلك عذاباً وهو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا وإن شاء أخره إلى الآخرة . البحث الثاني : أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة والأسر أخرى واغتنام الأموال ثالثاً ، فيدخل فيه كل ما ذكرناه . فإن قالوا : أليس أنه تعالى قال : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * ( الأنفال : 33 ) فكيف قال ههنا : * ( يعذبهم الله بأيديكم ) * . قلنا : المراد من قوله : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) * عذاب الاستئصال ، والمراد من قوله : * ( يعذبهم الله بأيديكم ) * عذاب القتل والحرب ، والفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب وإن كان في حقه سبباً لمزيد الثواب ، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصوراً على المذنب . البحث الثالث : احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى بقوله : * ( يعذبهم الله بأيديكم ) * فإن المراد من هذا التعذيب القتل والأسر وظاهر النص يدل على أن ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى ، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد ، وهو صريح قولنا ومذهبنا . أجاب الجبائي عنه فقال : لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال : إنه